الأربعاء 19 يونيو 2019 - 03:39 صباحاً  

sg

كلام بالمصري

مطعم وكوفى شوب القرية النوبية

مطبخ سماح

حديث الصور - البلد اليوم

+32
H: +33°
L: +20°
القاهرة
الاثنين, 20 مايو
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد
           
+35° +36° +37° +39° +35° +34°
+21° +21° +23° +21° +19° +19°

عبد الرازق الشاعر


من يكتفي؟

د.منى النموري


إكتشافات السنين لأم أربعة وأربعين

أيمن أبو العز


تغريدات فلسفية (10)

د. مروه نعيم


أضغاث أحلام (5)

كريم علي


  بين الشيطنة والملائكية

عبد العظيم درويش.


  المعاشات.. «خط أخضر» دائماً!

أحمد الصاوى


  عاشت حرية الرأى

حسام عبد العزيز


  الحلول الغائبة !

 

 


اذاعة القرآن الكريم

Flag Counter

مصر بدون حكم جماعة الإخوان؟

  أفضل

  أسوأ

  لست مهتما


نتائج

 

أضف  البريد الالكتروني :
 
 

 
 
 

زُمردة (قصة قصيرة)

كريم علي

 

التاريخ : الجمعة 25 أبريل 2014 01:10:52 مساءً

رشف رشفة المنهمك المتلذذ بفنجان قهوته الصباحى ،ثم أخذ يقرأ فى احدى كتب التاريخ المتراكمة فوق المكتب الخشبى القديم، ثمة علاقة وطيدة يفوح منها عطر الخصوصية والترابط والأصالة بين المكتب وصاحبه ، وتقبع على يساره مكتبته الكبيرة المكتظة بعقول فوق العقول وحيوات فوق الحيوات ، مكتبة واقفه بعرض الحائط فى شموخ قلعة حكم قديمة مازالت المهابة والرونق يأُخذاك بجرد المرور بجانبها ..
 
نعود إلى صاحب المكتب والمكتبة ، الأستاذ سلامة عبد الله مدرس أول اللغة العربية وموجه بوزارة التربية والتعليم سابقاً،تم الستين منذ عامين وصار على المعاش قانوناً، وتفرغ لمتعته الوحيدة القراءة والكتابة خاصة قراءة التاريخ القديم والحديث .. يستقيظ يومياً على آذان الفجر المرفوعة كلماته العطرة من فوق مئذنة مسجد الظاهر بيبرس المقابل لمنزله بوسط حى الظاهر العتيق، بعد الصلوات وما تيسر من الذكر الحكيم، يجلس فى مكتبه يقرأ ويكتب لحين سماعه طرقة باب يعقبها نداء "الفطار يا أبو أحمد"، صوت جيهان زوجته ورفيقة العمر وأم أولاده الثلاثة أحمد ومحمود وزُمردة .
 
أتما الشريكان رسالتهما مع أحمد ومحمود بنجاح حيث تخرجا وتزوجا ورُزقا بالبنين والبنات، ولم يبق سوى زمردة .. زمردة، بنت بمقتبل العشرينات من العمر ، متوسطة الجمال متفوقة منذ الصغر، التحقت بكلية الطب وتخصصت بالطب النفسى ، لديها من الصفاء والبهجة وحسن الذوق ما يضيف لروحها القبول عند كل من يراها، هى الأقرب إلى أبيها من حيث الشكل والفكر والمضمون ، قرة عين أبيها وزمردته كما يُحب ان يغازلها، فضلاً عن علاقة الصداقة وارث القراءة والكتابة وحب التاريخ التى ورثته من أبيها، وطالما داعبتهما جيهان بالمثل الشعبى"اللى داخل بينكم خارج" فى إشارة إلى قوة الترابط وخصوصيته ..قبَّلتهما زمردة واعتذرت عن مشاركتهما الفطار لتلحق بمهام يومها الجامعى مبكراً ، وتناول سلامة الفطور المصرى بشهادة الفول بالزيت الحار طبق المائدة الأول ومزينها، ثم أعقبه بفنجان قهوة آخر فى مكتبه وسط الوريقات والكلمات.
 
أكمل نهاره على الوتيرة نفسها حتى قاربت الساعة على الثالثة عصراً حين حضرت زمردة مبكراً قبل موعدها المعتاد من الجامعة ، طرقت الباب طرقة رقيقة مثلها على باب مكتب أبيها، فأذن لها الدخول واستقبلها مُرحباً ومداعباً ومقبلاً خديها بحنان أبوى صافى كماءٍ رائق لم يمسه شوائب قط ، الأب حصن ابنته المنيع ومرآتها ، تتعرف على الرجولة وخلاصة فحواها من خلالهِ ، ويُسكنها هو بين ضلوعه خوفاً وحباً وتحناناً ، وبذلك تنشأ الأميرات فى بيوت الملوك ..
 
سلامة يعرف ابنته جيداً ، قادراً على قراءة وجهها وما يصدر منه من فرحةِ وبهجةِ او شرود وصمت يختفى وراءه بحور من الكلام .. ظلت زمردة تتجول بين أركان المكتب ، تُهذب المكتب تارة وتنظر من الشباك تارة أخرى ، ويتابعها ابوها فى تصنع باستمرار القراءة ويختلس النظرات إلى وجها المشجون وبالها الشارد ، حتىى قرر سؤاله: مالك يا دكتورة؟ أراكِ حائرة وسط ضجيج بالعقل يتردد اللسان بالبوح به!، فاجأته متسألة : هل أنا يا بابا لا أصلح لهذا الزمان؟! ومثلى مثل التحف والأنتيكات الأوَّلى وضعهم فى احد المتاحف الأثرية! ، نزلت أسئلتها على مسامعه كدوى انخرار جبل شاهق واقترب منها وسألها :لماذا كل هذا العصف بنفسك يا حبيبتى؟! ، ترقرت عيناها بالدموع وجاوبته بصوت يحفه الشجن من كل جانب : أنا ارتدى ملابس عصرى ككل البنات ، لدى هاتفى المحمول الحديث ، اعرف مصطلحات جيلى بأكملها ، استخدم ما يناسبنى واترك ما لا يناسبنى ، ورغم انخراطى هذا بأنماط زمنى وعصرى الا اننى ارتبط ارتباطاً واضحاً بكل خيط أصيل قديماً لنا فيه المنبع والأصل ولنا منه العبرة والإرشاد والمناعة! ، ولكنى حاولت يا بابا مؤخراً فصل ذلك الخليط الحضارى عن تكوينى خارج المنزل وعدم الاحتكام له وغض الطرف عنه فى نقاشاتى خاصة وانا بصبحة أصدقائى، إلا اننى فشلت كما تفشل شجرة الصبار من النمو بلا أشواك .. وذاك الصراع الحادث بداخلى تسبب لي مراراً بجُرح ممن حولى، المحبين والحاقدين ، على سبيل الدعابة التى توارى الصراحة مرة والصراحة الجافة مرة أخرى ، بإتهامى بالتفلسف والتعقيد ، وان علىَ تبسيط الحياة ، وبأن عصرنا وسرعته لا يحتمل الوقوف او القبع فى أصالة مزعومة او الركون إليها لوزن ما نعايشه اليوم من أحداث ، وآخر ما تأذت به نفسى اليوم من احدى صديقاتى وسط نقاش اجتماعى يفتقد الهدوء كثيراً والمنطق أحياناً ، نقاش خفست فيه صديقتى بهويتنا الأرض أمام الغرب وعدم قدرتها على التجاوب مع المستقبل لضعفها فى الاصل ، واننا اعتزلنا الحياة منذ قرون مضت ولم يتبق منا سوى ارض وبشر يساقون لا إرادة لهم ولا عز ولا لون ولا رائحة، بل وختمت حديثها بكلماتِ ظاهرها المدح باطنها الاستهزاء باننى زمردة وجب الاحتفاظ بها خشية الانقراض! 
 
ابتسم الأب الحنون بسمة خافتة كقنديلِ مذبذه ضياءه ، ثم حوَّط زراعيه على كتفها بتحنان واتجها نحو الشباك المُطل على مسجد الظاهر بيبرس والكاشف لصحن المسجد الفسيح واشار إليه قائلاً : انظرى يا زمردتى إلى المسجد وصحنه ، انه يُعبر عن حالنا وارى فيه ما قصتيه علىَ منذ لحظات ، بُنى المسجد بسورهِ العتيق هذا منذ قرون ، مرت عليه أيامِ وليالى وهو ثابت لم يقدر احد على زحزحته ولكن يا صغيرتى استطاع من سبقونا ان يضعوا بصمتهم عليه وعلى صحنه ، فهم قدره قيمته وآثرهم جماله وفطنوا لعبقريته فى تعديه كونه مبنى عادى ، بل انه حضارة وأصالة ومظهر قوة تسرى فى النفوس ، فاظهروا جمال صحنه وشيدوا النوافير وزرعوا الخضرة فتحول لجنةِ على الأرض ، وبالضرورةِ من اهتم بالأصل وثبته ، ان تمتلكه الرغبة بإضافة أصول أخرى ، ليستمر المجد ، وذلك ما فعلوه خارج الصحن أيضا من انجاز وسلوك وعزة .. ومرت السنون وجاء وقت بصمتنا يا حبيبتى وها هى أمامك بلا حاجة للشرح والتفسير اهملنا الصحن حتى صار ارض مجدبة ،فقط اثار خضرة يائسه هنا او هناك ، وهجمت بعض الشروخ على الجدران وكأنه لا يعنى لنا شيئاً ، الحال نفسه والشروخ ذاتها فى الشوارع من قمامة وفوضى وتحرش وسلوك لا يمت بأصلنا وهويتنا العربية بصلة .. الشاهد من كلامى يا زمردة ان التمسك بأصل الهوية ومعرفة قدرها الحقيقى هو احساس بالذات وبالقدرة واحترام لمكانة تأبى النفس النزول عنها وما نزلنا عنها الا لتهميشنا أصلنا وأخلاقه وصفاته وتسطيح العقول بدواعى القِدم والتعقيد والفلسفة ولصق العجز به رغم كونه طاقة اذا تجددت فى نفوسنا عمَ النور بأوطاننا ..
احتفظى يا زمردة بفكرك وطبع عصرك واعتزاز هويتك ، ولا تخجلى منها ولا تُخفيها فلا صلاح للأمر إلى بها وبالعودة إليها ، وعسى ان يكون قريبا يا حبيبتى .. 
 
ولنا لقاء مادام لرزق الكلمة بقاء ..  
       
 

 

 

التعليقات



من نحن - إتصل بنا - الإعلانات - خريطة الموقع - إدارة التحرير

 © Copyright  2012 Albalad Alyoum

Designed and Developed by SLSEG.Com , All Rights Reserved .